الشيخ محمد هادي معرفة

209

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأمّا العلم التجربي فلا متّسع له في هذا المجال ، بعد أن كان سلطانه مهيمنا على عالم الحسّ ، ومحدودا بآفاقه من غير أن يمكنه لمس ما وراء ستار الغيب فكيف يجوز له بالنسبة إلى أمرٍ خارجٍ عن سلطانه أن يحكم عليه بنفي أو إثبات أو يجعله موضع رفض أو قبول ؟ ! نعم ، هناك لأصحاب المذاهب العقلية من علماء المسلمين وغيرهم من المعتنقين بوحي السماء كلام عن مدى مقدرة هذا الكائن الغيبي ، وهل له سلطان على التدخّل في شؤون الإنس أو يمسّه بسوء ؟ الأمر الذي أنكروه أشدّ الإنكار ، على خلاف أصحاب التزمّت في الرأي ممّن ركضوا وراء أهل البداوة في التفكير ، واتّبعوا خرافاتهم الأساطيرية البائدة . فالاعتراف بوجود الجنّ شيء ، ورفض مقدرتهم على التدخّل في شؤون الإنس شيءٌ آخر ، والرفض في هذا الأخير لا يستدعي رفضا في أصل الوجود . ذهب أصحاب القول بالعدل « 1 » إلى أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يتسلّط كائن غيبي على كائن عيني فيتلاعب بنفسه وبمقدّراته وهو لا يستطيع الذبّ عن نفسه حيث لا يراه . وكلّ ما قيل في مسّ جُنون وما شابه ، فهو حديث خرافة ومن مزاعم باطلة تفنّده الحكمة الرشيدة . نعم سوى بعض الوساوس ( إيحاءات مُغرية ) يُلقيها شياطين الجنّ على شاكلتها من الإنس « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » . « 2 » « وَإنَّ الشَّياطينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيائِهِمْ » . « 3 » ويقول الشيطان لمّا قُضي الأمر : « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ » . « 4 » وزعم الإمام الرازي أنّ ظاهر المنقول عن أكثر الفلاسفة إنكار وجود الجنّ ، استنادا إلى كلام الشيخ الرئيس ابن‌سينا في رسالته في حدود الأشياء ، حيث يقول : الجنّ حيوان هوائي متشكّل بأشكال مختلفة . ويُعقبّه بقوله : وهذا شرح للاسم . قال الرازي : وهذا يدلّ

--> ( 1 ) - راجع في ذلك : التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 88 . ( 2 ) - الأنعام 112 : 6 . ( 3 ) - الأنعام 121 : 6 . ( 4 ) - إبراهيم 22 : 14 .